رئيس مجلس الادارة : إيهاب مباشر

رئيس التحرير : محمد سعد - الاشراف العام : حنان على الشايب

د. طارق عبد العزيز يكتب «شهر الورع .. ودراما السفه»

 

 

رحل شهر رمضان في هدوء كعادته، ويراودني في نفس الوقت من كل عام سؤال، ربما تكون إجابته معلومة مسبقا لمعظمنا. السؤال: ماذا قدم الإعلام المصري للمصريين خلال هذا الشهر؟ وكيف استغل التفاف معظم طوائف الشعب حول شاشة التليفزيون كل هذا الوقت؟ للأسف معظم ما دخل البيوت ـ باستثناء القليل جدًا ـ وجبات غير صحية من المسلسلات والإعلانات والبرامج التافهة التي تُظهر إلي مدي وصل انحدارنا الثقافي.
وعلي العكس، لم نر أو نسمع معلومة عن عالم أو أديب أو جراح أو رمز أكاديمي أو تشكيلي كبير، ممن أفنوا حياتهم في العلم والكتابة وعلاج البشر وصناعة الفن بمختلف أشكاله، وتركوا بصمات واضحة ومؤثرة في مجالهم؛ ليكونوا قدوة للشباب الذين يخطون خطواتهم الأولي نحو بناء مستقبلهم، لم نشاهد فيلمًا تسجيليًا عن مساجد القاهرة التاريخية، أو أسبلتها وشوارعها ومعابد مصر الأثرية الساحرة، أو تمثال نهضة مصر وكيف نحته محمود مختار، أو رمز الجندي المجهول وكيف جسده ببراعة سامي رافع، لم نر معلومة مثلًا عن دار الأوبرا أو معهد الموسيقي العربية أو ما شابه ذلك!؟. وإن حدث صدفة سيكون وقت إذاعته ومعظمنا خالدا للنوم!!.

اختفت البرامج الهادفة من الإذاعة قبل التلفزيون، غابت المسابقات التي كانت تختبر معلوماتنا وتضيف إليها، أصبحت صناعة الإعلان هي الشبح العام المسيطر علي سوق المال، الذي يهدف في المقام الأول إلي استنزاف جيب المواطن، سواء في عالم الاتصالات أو دنيا السلع غير المعمرة، أو منظومة التبرع التي أصبحت رموزها كثيرة ومتعددة، وتزداد أعدادها كل عام وكأنه مشروع مربح، ولا أعرف ما هي الحكمة من عمل المسلسلات ثلاثين حلقة؟! وهي لا تحتمل أكثر من ثلث هذا الرقم، لكنها ربما لا تجوز في شهر رمضان إلا بهذا العدد؟!
أمراض كثيرة أصابت مجتمعنا، والاعلام عاجز عن علاجها، رغم الطفرة التي تشهدها مصر في عدة مجالات، ورغم التقدم المذهل في عالم الميديا والتكنولوجيا، ورغم أن الأمراض واضحة وتم تشخيصها فقط مرارًا، إلا أن مسألة تخصيص مساحة مناسبة لايجاد علاج وحلول علي حساب البرامج التافهة أصبحت مستحيلة في ظل هذا الشغف والشراهة بتقديم البرامج الساذجة المهينة.
ورغم أن الدولة مشكورة زرعت كاميرات مراقبة في معظم المصالح الحكومية وشوارع المحروسة، إلا أن السلبيات مازالت واضحة وتزداد، المسئولون يرصدون مخالفات المواطن وسلبياته سريعًا، ولا يشاهدون الإتاوات والرشاوي التي تدفع في الشوارع والمصالح الحكومية لإنجاز المصلحة او التغاضي عن مخالفة ركن صف ثانِ، أو ركن في شوارع مُنع الانتظار فيها؟!. سلبيات كثيرة بعيدة عن أعين الإعلام المتفرغ لموضوعات أخري فنية ورياضية مللنا منها ومن تفاهة بعضها.

إننا نحتاج لمساحات كبيرة مثل المساحات التي تخصص لبرامج “الطبخ” التي لا تخلوا قناة منها، نحتاج مساحات مثل التي تخصص للأستديوهات التحليلية لمباريات عقيمة، لا تستحق التعليق عليها أكثر من بضع دقائق، نحتاج لمساحات يتم اختيارها بعناية في خرائط الإذاعة والتليفزيون لعلاج السلبيات التي تفشت في مجتمعنا وتنذر بكارثة، نحتاج لمشاهدة رموز حقيقية تكون قدوة للشباب، نحتاج لتغيير الدماء وظهور وجوه إعلامية جديدة تطل علينا في برامج التوك شو، تكون بديلة للوجوه التي حفظناها منذ عشرات السنين ومللناها، نحتاج لثورة في البرامج الثقافية التي اندثرت بفعل جاهل.

 

2022/05/06 3:09م تعليق 0 91
جميع الحقوق محفوظة © 2022 القاهرة اليوم نيوز