

الجزائر ـ العمانية
رغم تسارع الحركة الأدبية التي شهدتها الجزائر، خاصة في مجال الكتابة الروائية، إلا أنّ ذلك لم يواكبه ممارسة نقدية تحاول البحث في الأدوات والخصائص التي تُميّز التجارب الروائية التي ظهرت خلال السنوات الأخيرة.
لذلك يأتي كتاب “الرواية الجزائرية في مطلع الألفية الثالثة” لمؤلفه عامر مخلوف، لملء ذلك الفراغ النقدي من خلال التعريف بنماذج روائية متمايزة تنتمي زمنيًا إلى مطلع الألفية الجديدة.
ويؤكد مؤلف الكتاب الصادر عن المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية، أنّ الأعمال التي اختارها هي تلك التي وقعت بين يديه، وهي في مجموعها سبعة وثلاثون نصًّا لثمانية وعشرين كاتبًا وكاتبة، أهمُّهم مرزاق بقطاش (نهاوند)، والسعيد بوطاجين (أعوذ بالله)، وآسيا جبار (بعيدًا عن المدينة)، وربيعة جلطي (نادي الصنوبر)، وأمين الزاوي (الساق فوق الساق)، وسمير قسيمي (يومٌ رائع للموت وكتاب الماشاء..)، وعمارة لخوص (القاهرة الصغيرة)، وواسيني الأعرج (2084.. حكاية العربي الأخير).
ويرى المؤلف في مقدمة كتابه، أنّ فترة السبعينات من القرن الماضي، بالرغم من قصرها، تركت بصماتها واضحة في الإنتاج الأدبي، وفي المحاولات النقدية أيضًا، وأنّها شهدت ازدهار الكتابة باللُّغة العربية ونشوء الرواية. مضيفًا: “لمّا كان الخطاب واضحًا يومئذ، انساق معظم الكتّاب مع موجة النهج الاشتراكي، يطاردون حلمًا يتغذّى من خطاب رسمي وغير رسمي”.
وبحسب مخلوف، فقد أخذ هذا الحلم يتبخر مع مطلع الثمانينات، وبدأ نجم الأديب الملتزم في الأفول تدريجيًا، مع الاهتمام أكثر بالجانب الفني للأدب من قِبل بعض الذين أغفلوه لصالح المضمون. ثم بدأت تبرز وجوهٌ جديدة، “لا هي انغمست في أجواء حرب التحرير حدّ التمجيد، ولا هي اعتنقت الفكر الاشتراكي”.
من هنا، “ظهرت أصواتٌ ساخطة على التوجُّه الإيديولوجي الصارخ تارة، وتارة تتّخذ هذا السُّخط مطية لتحقيق حضور مميّز في الساحة الأدبية”.
ويؤكد المؤلف أنّ أعمالا كثيرة لم يهتدِ أصحابها إلى نهج بيّن، ما جعلها تحوم حول الذات، وقد تنغلق في غلاف ضبابي لتعود مرّة أخرى في التسعينات إلى خطاب يُجسّد هول الصدمة، ولا يرقى بالنص الأدبي فوق الوقائع الفظيعة، حيث اتّسمت نصوصٌ كثيرة بالتقريرية والتسطيح.
ويوضح أنّ الجيل السابق، كبارًا ومبتدئين، كانوا دائمًا يجربون كتابة القصة القصيرة قبل الانتقال إلى الرواية، في حين انطلق المتأخرون مباشرةً من الكتابة الروائية إلا نادرًا. أما الذين بدأوا بالقصة القصيرة، أو كانوا يكتبون الشعر، فما لبثوا أن هجروهما. وبقيت الحالة النقدية تراوح مكانها متخلّفة عن مواكبة الإنتاج الأدبي الكثير، لأنّ سائر المهتمّين بالشأن الأدبي، صاروا يرون أنفسهم مبدعين وروائيين تحديدًا.
ويشير المؤلف إلى أنّ الروايات التي تناولها، تتسم بالاختفاء التدريجيُّ لحرب التحرير، وظهور كتابـات مختلفة تنطلق مـن الواقع بلـغة أدبية شفافة، وتُخــفي الإيديولوجي/ السياسي بعيدًا في أجواء خيالية ساحرة وساخرة، مثل “أعوذ بالله” للروائي السعيد بوطاجين، ومنها ما يعتمد لغة بسيطة لا تخلو من شعرية يمتزج فيها الواقعي بالخيالي وتتناثر فيها أسئلة وجودية، مثل أعمال “يومٌ رائع للموت، هلابيل، الماشاء” لسمير قسيمي. ثم هناك تجربة الخيال العلمي كما في “أمين العلواني” لفيصل الأحمر، وتجربة الرواية البوليسية “دمية النار” لبشير مفتي.
كما يُسجّل أنّ التجارب الروائية الجزائرية ظلّت مشدودة إلى اللُّغة العربية الفصحى، ولم تظهر روايات بلغة عامية خالصة، نتيجة لكون الارتباط باللُّغة العربية الفصحى يُمثّل ارتباطًا بالتراث العربي الإسلامي؛ وهما بمثابة سلاح حيوي في مواجهة الغزو الثقافي الاستعماري.
ويرى المؤلف أنّه بمرور الزمن، الذي ظلّت فيه الأسماء المكرّسة تُهيمن على المشهد الأدبي، ومع مطلع الألفية الجديدة، ظهرت مجموعة من الكتّاب، ذكورًا وإناثًا، منهم من يكتب القصة، ومنهم من يكتب الرواية، وقد يجمع آخرون بينهما، لكنّهم يُثبتون تميُّزهم بجدارة، بعدما أعطوا الأولوية لحضور الذات الكاتبة، وانتقلوا إلى دائرة التجريب الروائي لخلخلة النمط الكلاسيكي في الكتابة الروائية باعتمادهم تقنيات مستحدثة، كاختيار العنوان والاسترجاع وتداخل الضمائر والمناجاة وتعدُّد الأصوات وكسر التسلسل الزمني والسخرية والشعرية والتناص وغيرها. كما صار روائيو مطلع الألفية الثالثة، يشتغلون على اللُّغة ويُطعّمون نصوصهم بدرجات متفاوتة من التخييل، ويُوظفون المثل والعبارة الساحرة، وغيرها من المظاهر الأدبية التي تُكسب النص عناصر من التشويق، وتؤكد قدرًا من الموهبة لا تُخطئه العين.